محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
164
سبل السلام
مطلوبا ما لم يفوت حقا آخر أهم من ذلك المنفق فيه . والثالث : الانفاق في المباحات وهو منقسم إلى قسمين ، أحدهما : أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف . والثاني : فيما لا يليق به عرفا فإن كان لدفع مفسدة إما حاضرة أو متوقعة فذلك ليس بإسراف ، وإن لم يكن كذلك فالجمهور على أنه إسراف . قال ابن دقيق العيد : ظاهر القرآن أنه إسراف وصرح بذلك القاضي حسين فقال في قسم الصدقات : هو حرام وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم ، وقال الباجي من المالكية : إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة ، قال : ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث كضيف أو عيد أو وليمة . والاتفاق على كراهة الانفاق في البناء الزائد على قدر الحاجة ولا سيما إن انضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرف ، وكذلك احتمال الغبن الفاحش في المبايعات بلا سبب . وقال السبكي في الحلبيات : وأما إنفاق المال في الملاذ المباح فهو موضع اختلاف وظاهر قوله تعالى : * ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) * ، أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف . ومن بذل مالا كثيرا في عرض يسير فإنه يعده العقلاء مضيعا انتهى . وقد تقدم الكلام في الزكاة على التصديق بجميع المال بما فيه كفاية . 4 - ( وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ( ص ) قال : رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين . أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم . الحديث دليل على وجوب إرضاء الوالد لوالديه وتحريم اسخاطهما فإن الأول فيه مرضاة الله ، والثاني فيه سخطه فيقدم رضاهما على فعل ما يجب عليه من فروض الكافية كما في حديث ابن عمر أنه جاء رجل يستأذنه ( ص ) في الجهاد فقال : أحي والداك ؟ قال : نعم ، قال ففيهما فجاهد ، وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى رسول الله ( ص ) من اليمن فقال : يا رسول الله إني قد هاجرت قال : هل لك أهل باليمن ؟ فقال : أبواي ، قال : أذنا لك ؟ قال : لا قال : فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وفي إسناده مختلف فيه وكذلك غير الجهاد من الواجبات . وإليه ذهب جماعة من العلماء كالأمير حسين ذكره في الشفاء والشافعي فقالوا : يتعين ترك الجهاد إذا لم يرض الأبوان إلا فرض العين كالصلاة فإنها تقدم وإن لمن يرض بها الأبوان بالاجماع . وذهب الأكثر لي أنه يجوز فعل فرض الكفاية والمندوب وإن لم يرض الأبوان ما لم يتضرر بسبب فقد الولد ، وحملوا الأحاديث على المبالغة في حق الوالدين وأنه يتبع رضاهما ما لم يكن في ذلك سخط الله كما قال تعالى * ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) * قلت : الآية إنما هي فيما إذا حملاه على الشرك ومثله غيره من الكبائر ، وفيه دلالة على أنه لا يطيعهما في ترك فرض الكفاية والعين ، لكن الاجماع خصص فرض العين . وأما إذا تعارض حق الأب وحق الأم فحق الأم مقدم لحديث البخاري قال رجل : يا رسول الله من أحق بحسن صحبتي ؟ قال : أمك - ثلاث مرات - ثم